ابن أبي حاتم الرازي
239
كتاب العلل
قَالَ : أجَلْ هَكَذَا هُوَ ، ولكنْ لم نَرَى ( 1 ) أَنْ يَتْبَعَهُ متابعٌ ( 2 ) عَلَى رِوَايَتِهِ ( 3 ) ، وَقَدْ رَوَى عَنْ سُهَيل جماعةٌ كَثِيرَةٌ ؛ لَيْسَ عِنْدَ أحدٍ منهُم هذا الحديثُ . قلتُ : إنه تقولُ ( 4 ) بخبر الواحد ؟ !
--> ( 1 ) كذا في جميع النسخ : « لم نرى » والجادة : « لم نَرَ » بحذف الألف ؛ لأنه فعل مضارع معتل الآخر ، ويخرَّج ما في النسخ على تخريجين ذكرناهما في التعليق على المسألة رقم ( 228 ) . ( 2 ) في ( أ ) و ( ش ) و ( ف ) : « متابعًا » . ( 3 ) تابعه محمد بن عبد الرحمن بن الردَّاد العامري المدني ، عن سهيل ، به . ولا يصح . أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " ( 10 / 169 ) ، والخطيب في " تلخيص المتشابه " ( 1 / 582 ) . قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ( 7 / 315 ) في ترجمة محمد بن عبد الرحمن هذا : « سألت أبي عنه ؟ فقال : ليس بقوي ، ذاهبُ الحديث ، ولم يقرأ علينا حديثه » ، وَقَالَ : « سُئل أَبُو زُرْعَةَ عَنْ محمد بن عبد الرحمن بن الردَّاد ؟ فقال : مديني ليِّن » . ( 4 ) في ( ت ) و ( ف ) : « إنه يقول » بالياء ، ولم تنقط في بقية النسخ ، فيحتمل أن يكون فيها بالتاء كما أثبتناه ، أو يكون بالنون ، أو بالياء كما في ( ت ) و ( ف ) : أما بالتاء : « فإنه تقول بخبر الواحد » ، فإنه خطاب لأبي حاتم ، والضمير في « إنه » هو ضمير الشأن - انظر التعليق على المسألة رقم ( 854 ) - فكأنَّ ابن أبي حاتم يقول لأبيه : « لكنَّ الشأن أنَّك تقول بقبول خبر الواحد ؛ فَلِمَ تَرُدُّ أو تتردَّدُ هنا في قبول خبر ربيعة بن عبد الرحمن عن سهيل ، مع أنَّه ثقة وإنْ لم يتابعهُ متابع ؟ ! » ؛ فالذي ردَّ خبر ربيعة أو توقَّف فيه - مع كونه عنده ثقةً - هو أبو حاتم ، ولا أحدَ سواه ؛ ولذا جاء جوابه ، بما يفيد أنه لم يردَّ خبر ربيعة لأنَّه لا يقبل خبر الواحد الثقة ، بل ردَّه هنا لشيء آخر ، وهو أمران : أولاً : أنَّ مضمون هذا الحديث - وهو قضاء النبي ( ص ) باليمين مع الشاهد - أصلٌ كُلِّيٌّ من أصول الشريعة ، فكيف يتفرَّد بنقله ربيعة دون سائر أصحاب سهيل وهم جماعة كثيرة ، وهذا ذهابٌ من أبي حاتم إلى القول بأنَّ ربيعة وَهِمَ في الحديث وإنْ كان ثقة ! وثانيًا : أنَّ أبا حاتم لا يعلَمُ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلا عَنْ أَبِي هريرة حتى يعتبر به . وأما بالنون : « فإنَّه نقول بخبر الواحد » ، فهو في معنى ما سبق . وأما بالياء التحتية : فلا يتَّجه الكلام مع ما قبله وما بعده ، فإنْ قال قائل : لِمَ لا يكون مرادُهُ : « إنَّه - أي : سهيل بن أبي صالح - يقول بقبول خبر الواحد ؛ ولذا فقد قبل خبر ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وأصبح يقول - كما سبق - : « حدثني ربيعة - وهو عندي ثقة - : أني حدثته إياه ، ولا أحفظه » ؛ وهذا يدل على قبول سهيل لخبر الواحد الثقة ؛ برغم أنه يحدِّث عنه وهو لا يذكُرُ ذلك ؟ » : قلنا : لا يصحُّ ذلك لوجهين : الأول : ليس في الحديث تصريحٌ أو إشارةٌ إلى أنَّ سهيلاً لا يقول بقبول خبر الواحد ، بل فيه أنه يقول بعكس ذلك ، فإنَّه قَبِلَ خبرَ ربيعة عنه وهو يَذْكُرُهُ . والثاني : أنَّ في القول بذلك إشارةً إلى أنَّ ابن أبي حاتم وأباه ومَن حضر المجلس لا يقولون بقبول خبر الواحد ، وفي هذا ما فيه ! ! هذا ؛ وقبولُ خبر الواحد الثقة هو القول الحق الذي دلَّتْ عليه نصوص الكتاب والسنة ، وسار عليه أئمة الهدى - كأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهما من أئمة السنة - وقد أطال الإمام الشافعي في نصرته في كتاب " الرسالة " ، وأفرد له الإمام البخاري كتابًا في " صحيحه " بعنوان : « كتاب أخبار الآحاد » ، وأطال ابن القيم في " الصواعق " ( ص 685 - 784 / مختصره ) في الاستدلال له ، وللشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رسالة فذَّة في ذلك .